الساونا، وأشعة الشمس، والسباحة، والتمهّل: كيف يقضي الفنلنديون فصل الصيف

في كل صيف، تتباطأ وتيرة الحياة في فنلندا بشكل متعمّد؛ إذ تُغلق المدارس أبوابها، وتفرغ أماكن العمل من موظفيها، ويتجه الناس نحو البحيرات والغابات والأكواخ الصيفية.

“إنه موسم التغيير”، تقول إيميلي، وهي مصففة شعر تعمل في منطقة هلسنكي. “فالناس يرغبون في التغيير.”

ومع اقتراب فصل الصيف، يطلب العديد من زبائنها صبغات شعر بألوان أفتح. أما في فصل الشتاء، فتقول إن الدرجات الداكنة تكون أكثر رواجاً.

وعند إجراء هذه المقابلة، لم تكن إيميلي نفسها متأكدة بعد من شكل صيفها هذا العام. فإحدى زميلاتها في إجازة أمومة، ولم يؤكد الصالون بعد ما إذا كان سيتم توظيف موظف آخر للموسم المزدحم. وتوضح أن الصيف يُعد من أكثر فترات السنة ازدحاماً بالنسبة لمصففي الشعر، إذ يستعد الناس لقضاء العطلات.

وفي حين قد يكون الصيف فترة حافلة بالعمل في قطاعات الخدمات، تبدأ العديد من المكاتب والمدارس في الوقت نفسه بالتخفيف التدريجي من وتيرة العمل استعداداً لموسم الإجازات..

طفلان يستمتعان بتناول المثلجات بجوار أحد الأكشاك في يوم صيفي دافئ.

تصبح أكشاك بيع المثلجات مشهداً مألوفاً في مختلف أنحاء فنلندا خلال موسم العطلات الصيفية.
الصورة: ماريانا مالكاماكي , Keksi / Helsinki Partners

في فنلندا، تُغلق المدارس عادةً أبوابها في أوائل شهر يونيو وتبقى في عطلتها الصيفية حتى منتصف أغسطس. كما تتباطأ وتيرة العمل في العديد من أماكن العمل خلال الفترة نفسها، ولا سيما من أواخر يونيو وحتى نهاية يوليو.

وبالنسبة لكثير من الفنلنديين، يبدأ موسم العطلات فعلياً مع احتفالات يوهانّوس (Juhannus)، أو عيد منتصف الصيف، الذي يُصادف يوم الانقلاب الصيفي أو يكون قريباً منه. الشقق السكنية

في هذه الفترة تصبح أكثر هدوءاً، وتزداد حركة المرور على الطرق السريعة المؤدية إلى الريف، بينما تمتلئ متاجر البقالة في البلدات الريفية الصغيرة بالزوار القادمين لقضاء الصيف.

يوليو: شهر العطلات في فنلندا

أشخاص يجلسون على شرفة خارجية مكشوفة تحت أشعة شمس المساء الدافئة في شارع سكني هادئ خلال فصل الصيف في فنلندا.

تمتلئ الساحات الداخلية والشرفات والشرفة المكشوفة في مختلف أنحاء فنلندا بالحياة خلال أمسيات الصيف الطويلة التي يغمرها ضوء الشمس حتى ساعات متأخرة من الصيف.
الصورة: أونتو راوتيو / Helsinki Partners

وفقاً لهيئة الإحصاء الفنلندية، يُعد شهر يوليو أكثر أشهر السنة شعبيةً لقضاء العطلات في فنلندا. فعلى سبيل المثال، خلال صيف عام 2024، كان ثلث العاملين الفنلنديين في إجازة لمدة أسبوع واحد على الأقل خلال شهر يوليو.

ويتمتع الموظفون في فنلندا قانونياً بحق الحصول على إجازة سنوية مدفوعة الأجر، تبلغ عادةً نحو أربعة أو خمسة أسابيع لمن يعمل بدوام كامل طوال العام. ويختار كثيرون استغلال جزء كبير من هذه الإجازة خلال أشهر الصيف، وغالباً ما يأخذون عدة أسابيع متتالية بعيداً عن العمل.

ويُنظر إلى توفير وقت كافٍ للإجازات على أنه عامل مهم في تعزيز التوازن بين العمل والحياة الشخصية، وتحقيق حياة متوازنة بشكل عام، وهو ما يُعد جزءاً من “بنية السعادة التحتية” في فنلندا.”

وخلال شهر يوليو على وجه الخصوص، تعمل المكاتب غالباً بعدد أقل من الموظفين، بينما تردّ رسائل البريد الإلكتروني تلقائياً برسائل تفيد بأن الرد سيتأخر إلى حين العودة من الإجازة في شهر أغسطس.

خصلات شعر مبللة تنسدل على كتف عارٍ لشخص، بينما ينعكس ظل زهرة برية صغيرة على بشرته تحت ضوء المساء الدافئ.

تشكل حرارة الساونا، والمياه الباردة وضوء الشفق الذي يستمر حتى وقت متأخر، جزءاً من إيقاع الحياة الصيفية في فنلندا.
الصورة: : سانّا ليهتو / Finland Image Bank

وفي الوقت نفسه، يُعدّ الصيف أيضاً موسماً مهماً للعمل بالنسبة للعديد من الشباب. فوفقاً لهيئة الإحصاء الفنلندية، ترتفع معدلات التوظيف بشكل ملحوظ مع حلول الصيف، إذ يبدأ الطلاب العمل في وظائف مؤقتة خلال عطلتهم المدرسية.

كما يُعتبر الصيف من أكثر المواسم ازدحاماً بحفلات الزفاف والمهرجانات والرحلات الداخلية. ففي عام 2024، قام الفنلنديون بأكثر من عشرة ملايين رحلة ترفيهية داخل البلاد بين شهري مايو وأغسطس، وشملت العديد منها الإقامة في الأكواخ الصيفية أو المبيت لدى الأصدقاء والأقارب.

الحياة في الأكواخ الصيفية والعادات الصيفية

شخص بالغ وطفل يخوضان في مياه ضحلة بالقرب من شاطئ بحيرة ، بينما تظهر في الأفق جزر صغيرة مكسوة بالغابات.

يحمل كثير من الناس في فنلندا ذكريات صيفية جميلة عن السباحة في البحر أو في إحدى البحيرات .
الصورة: : كارل برجمان / Finland Image Bank

بالنسبة لكثير من الفنلنديين، يرتبط فصل الصيف ارتباطاً وثيقاً بـ الموكّي (mökki)، وهو الكوخ الصيفي التقليدي.

يوجد في فنلندا ما يقرب من نصف مليون كوخ صيفي. ويقع الكثير منها بالقرب من البحيرات أو وسط الغابات، وغالباً على بُعد ساعات قليلة فقط من المدن الكبرى.

وتتميز بعض هذه الأكواخ بكونها حديثة ومجهزة بجميع وسائل الراحة، بينما يحتفظ بعضها الآخر بطابعه البسيط عن قصد، من دون مياه جارية أو خدمات ومرافق دائمة.

رضيع يرتدي قبعة شمسية يجلس في حضن شخص بالغ داخل كوخ خشبي مضاء بنور طبيعي، بينما تظهر الأشجار من خلال النوافذ المفتوحة.

تدور العطلات الصيفية في فنلندا غالباً حول أيام هادئة تُقضى في الكوخ الصيفي مع أفراد العائلة بالقرب منك.
الصورة: يوسّي هيليستين / Helsinki Partners

تقول إيميلي ضاحكة: “أنا لست من عشاق الحياة في الأكواخ الصيفية”. “فالأمر يتطلب الكثير من العمل!”

ومع ذلك، تتذكر زياراتها إلى كوخ والدها البعيد عندما كانت أصغر سناً.

وتقول: “لم تكن هناك مياه جارية ولا كهرباء ولا أي شيء من هذا القبيل”. “وعندما كنا نذهب إلى هناك، كنا بالفعل منفصلين تماماً عن كل شيء”.

وبالنسبة لكثير من الناس، تتمحور الحياة في الأكواخ الصيفية حول أنشطة بسيطة ومألوفة: تسخين الساونا، والسباحة في بحيرة قريبة، وشواء الطعام في الهواء الطلق، أو مجرد الجلوس خارج المنزل حتى وقت متأخر من المساء بينما يستمر ضوء النهار لفترة طويلة.

موسم يُقضى في الهواء الطلق

شخص بالغ وطفل يجمعان التوت في فسحة غابية تغمرها أشعة الشمس، بينما تستقر بينهما سلة منسوجة.

يُعد جمع التوت البري من الأنشطة الصيفية الشائعة في فنلندا، حيث يضمن مبدأ “حق كل شخص” حرية الوصول إلى الطبيعة والاستمتاع بها . ”الصورة: صبرينا بكاين / Finland Image Bank

الحياة في الأكواخ الصيفية هي جزء واحد فقط من ثقافة الأنشطة الصيفية في الهواء الطلق في فنلندا.

فالكثير من الفنلنديين يقضون أوقاتهم في الطبيعة بطرق أكثر بساطة واعتيادية، سواء من خلال المشي في الغابات القريبة، أو السباحة على الشواطئ المحلية، أو قضاء عطلات نهاية الأسبوع في التنزه سيراً على الأقدام والتخييم. ووفقاً لاستطلاعات الترفيه في الهواء الطلق على المستوى الوطني، يقضي الفنلنديون وقتاً في الطبيعة بشكل متكرر على مدار العام، ويُعد المشي في الطبيعة من أكثر الأنشطة الترفيهية شعبية في البلاد.

وفي أواخر الصيف، تمتلئ الغابات بجامعي التوت الذين يبحثون عن التوت الأزرق والتوت العليق (التوت الأحمر) وتوت اللينغون البري.

وبفضل ما يُعرف بـ“حق كل شخص” في فنلندا، يتمتع الناس بحرية التجول في الطبيعة وجمع التوت والفطر البريين بغضّ النظر عن ملكية الأراضي.

أكثر من مجرد عطلة

طفلان صغيران يرتديان سترات نجاة برتقالية اللون يستقلان قارب تجديف مع شخص بالغ في بحيرة هادئة، تحيط بها غابات كثيفة وتعلوها سماء ملبدة بالغيوم.

تُعد القوارب والأحذية المطاطية وسترات النجاة من المشاهد المألوفة التي ترتبط بذكريات الطفولة الصيفية في فنلندا.
الصورة: : كارل برجمان / Finland Image Bank

لا تُبنى العطلات الصيفية في فنلندا بالضرورة حول خطط سفر طموحة أو رحلات بعيدة. فبالنسبة لكثير من الناس، يندمج الوقت الإضافي ببساطة في تفاصيل الحياة اليومية: زيارة الأقارب، وصيانة الأكواخ الصيفية، وإنجاز المشاريع التي ظلت مؤجلة طوال فصل الشتاء.

وتقول إيميلي إنها ستقضي جزءاً من عطلتها في مساعدة أصدقائها الذين اشتروا منزلاً حديثاً.

وتضيف: “إنهم بحاجة إلى المساعدة في ترتيب الحديقة”.

ويبدو هذا التعليق مألوفاً إلى حد كبير. ففي أنحاء البلاد، يُعد الصيف الموسم الذي يجد فيه الناس أخيراً الوقت لإنجاز الأمور التي ظلت غير مكتملة طوال العام: طلاء السياج، وإصلاح الرصيف الخشبي على ضفاف البحيرة، وتنظيف الفناء، أو مساعدة أفراد العائلة في الكوخ الصيفي. وحتى الإجازات المخصصة للراحة قد تتضمن قدراً مفاجئاً من العمل الفعلي.

وبالنسبة لكثير من الفنلنديين، يكمن جزء من سحر الصيف في امتلاك الوقت أخيراً للقيام بهذه الأمور البسيطة والعادية.

بقلم تايلر والتون، يونيو 2026