يُصدر الماء عند ملامسته الحجارة الساخنة صوت هسيس. وتتدفق قطرات العرق على ظهور مرتادي الساونا. فيما تبدو المقاعد الخشبية ساخنة كالرمال التي لفحتها الشمس. ومن خلال نافذة تمتد على طول أحد الجدران بالكامل، تنفتح أمام الأنظار دلتا نهر أولو في الأسفل. بينما يبلغ صيف شمال فنلندا ذروة اخضراره.
تسكب أرمي روسوفيرتا مغرفة أخرى من الماء على موقد الساونا وتتنهد.
وتتساءل: “ما الذي يمكن أن يكون مشروعًا أفضل لتعزيز الرفاهية من ساونا فنلندية تقليدية تجمع بين الاسترخاء وفرصة السباحة في المياه الباردة؟“
ولكن، هل يمكن لهذا المفهوم الفنلندي بامتياز أن ينجح خارج فنلندا؟
وفقًا لروسوفيرتا، الإجابة هي نعم. فرؤيتها لـ“أُلوساونا” تتجاوز مجرد ساونا عائمة واحدة في أولو. إذ تأمل في تحويل هذا المفهوم إلى نموذج يمكن تطبيقه في بلدان أخرى.
إذن، ما الذي يميز “أُلوساونا“تحديدًا؟
دمج الرفاهية في الحياة اليومية

تُطل “أُلوساونا” على مناظر طبيعية للنهر والمناطق المحيطة به. وقد شاهد الزوار ثعالب الماء وطيور صائد المحار، كما رأوا الأسماك وهي تقفز خارج الماء.
شكّلت الرفاهية خيطًا ناظمًا لمسيرة أرمي روسوفيرتا المهنية. فقبل أن تصبح رائدة أعمال، عملت مهندسة زراعية ومصممة، واكتسبت خبرة في الزراعة العضوية، والتصميم المراعي للرعاية والرفاهية، وتخطيط المساحات.
وتجمع بين مجالات عملها المختلفة فكرة واحدة، وهي أن بإمكاننا بناء الرفاهية من خلال البيئة المحيطة بنا، والطعام الذي نتناوله، والخيارات الصغيرة التي نتخذها كل يوم.
وتقول روسوفيرتا: “كانت الفكرة الكامنة وراء كل ذلك أنني أردت أن ترتبط حياتي المهنية بالمساهمة في تحقيق الرفاهية“.

تزيّن الجدرانَ مجموعاتٌ من الأدوات المنزلية الفنلندية التقليدية المعروضة عليها.
وفي ضوء هذه الخلفية، يبدو تشغيل ساونا عامة امتدادًا طبيعيًا لمسيرتها المهنية. وقد طوّرت روسوفيرتا مفهوم “أُلوساونا” بالتعاون مع إلماري ماينبا، وهو مصمم في شركة “أولوكوتو” المتخصصة في تصميم المساحات.
ولا تقتصر “أُلوساونا” على الساونا و“لُويلي (löyly)”، أي البخار والهواء الساخن الرطب الناتج عن سكب الماء على الحجارة الساخنة. بل يجمع مفهومها بين روح المجتمع والتلاقي والتصميم الفنلندي. وتنظم “أُلوساونا” فعاليات تجمع الناس معًا. كما توفر مكانًا للتمهل واستعادة النشاط والاهتمام بالرفاهية الشخصية. ويقدم المقهى مشروبات الإلكتروليت. وكل ذلك على طوف عائم وسط محيط طبيعي جميل.
ويأتي الاسم من الكلمة الفنلندية “أُلو“، التي تشير إلى حالة الشخص أو شعوره، كما في التعبير “هيوفا أولو” (hyvä olo)، أي “شعور جيد“.
طريقة فنلندية للاسترخاء

شُيّدت “أُلوساونا” على طوافات عائمة. ويوفر الفناء المركزي مساحة لإقامة أنشطة مثل الحفلات الموسيقية ودروس اليوغا.
كانت الساونا جزءًا من حياة روسوفيرتا منذ طفولتها، كما هي الحال بالنسبة إلى كثير من الفنلنديين. ففي فنلندا، لا تُعد الساونا رفاهية نادرة، بل هي جزء من الحياة اليومية ومتاحة للجميع.
وتعمّقت علاقة روسوفيرتا بالساونا عندما انتقلت للعيش في منزل ريفي على ضفة نهر. فقد أصبح للساونا التقليدية الواقعة على ضفة النهر، إلى جانب ممارستها السباحة بشكل شبه يومي، دور أكبر في حياتها.

يقدّم المقهى المشروبات والوجبات الخفيفة ليستمتع بها الزوار بعد الساونا.
وتقول: “أشعر أن الجمع بين الساونا والسباحة في المياه الطبيعية يمنحني إحساسًا بالسكينة والاسترخاء والتوازن.” “إنها وسيلة فعّالة جدًا لاستعادة النشاط“.
بعد أن تنتهي روسوفيرتا من السباحة، تعود إلى الشاطئ وهي تشعر بالاسترخاء. وكأنها تركت ضغوط الحياة اليومية وراءها في الماء. ثم يأتي دفء الساونا ليُكمل التجربة.
وتقول: “إنها طريقة مألوفة جدًا لنا نحن الفنلنديين للاسترخاء“. “إنها إحدى ركائز الحياة“.
ساونا قروية بروح عصرية

صُممت جدران “أُلوساونا” بألوان داكنة. وتقول أرمي روسوفيرتا: “الجدران الداكنة تبعث على الدفء والاحتواء”. “كما أنها تذكّرنا بالساونا التقليدية”.
افتتحت روسوفيرتا “أُلوساونا” في أولو، أكبر مدن شمال فنلندا، في سبتمبر 2025.
وتصفها بأنها ساونا قروية عصرية، ومكان للاسترخاء ولقاء الآخرين.
وتقول روسوفيرتا: “في الساونا، تتلاشى الفوارق الاجتماعية والاقتصادية عندما تخلع ملابسك“. “فنحن جميعًا متساوون على مقاعد الساونا“.
أما الخطوة التالية، فهي معرفة ما إذا كان هذا المفهوم سينجح خارج فنلندا. وتتطلع روسوفيرتا إلى ستوكهولم ومدن أوروبية أخرى، بل وحتى اليابان.
لكنها الآن في أولو، وقد أمضت وقتًا كافيًا في الساونا وحان وقت الانتعاش في المياه الباردة.
تبلغ درجة حرارة مياه نهر أولو 16 درجة مئوية منعشة. في البداية، تُحدث المياه إحساسًا بالوخز على البشرة الساخنة. ثم يتكيف الجسم معها. وعند الغوص تحت سطح الماء، ينتاب المرء شعور يكاد يشبه الولادة من جديد.
تصعد روسوفيرتا مجددًا إلى طوف الساونا، وقد غمرها الاسترخاء بعد السباحة.
الساونا في فنلندا

في فصل الشتاء، يمكن للسباحين النزول إلى المياه عبر فتحة في الجليد تُبقيها المضخات مفتوحة من خلال تدوير المياه لمنع سطحها من التجمد مجددًا.
-
تُعد الساونا جزءًا من الحياة اليومية في فنلندا. وقد أُدرجت “ثقافة الساونا في فنلندا” على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
-
يرتاد الفنلنديون الساونا مع أفراد العائلة والأصدقاء، وأحيانًا مع أشخاص لا يعرفونهم إطلاقًا، كما هو الحال مثلًا في المنتجعات الصحية أو الصالات الرياضية أو الساونا العامة.
-
يُعد التعرّي أمرًا طبيعيًا في الساونا، وإن كانت الممارسات تختلف من مكان إلى آخر، كما يُشترط ارتداء ملابس السباحة في بعض مرافق الساونا العامة.
-
يمكن أن تكون السباحة في بحيرة أو في البحر جزءًا من تجربة الساونا. وخلال فصل الشتاء، عندما تتكوّن طبقة سميكة من الجليد على سطح الماء، قد تُفتح فيها فتحة كبيرة تتيح للناس النزول إلى المياه الباردة للسباحة.
-
يمكن أن تكون الساونا في الوقت نفسه ملاذًا خاصًا للاسترخاء ومساحة للتواصل الاجتماعي.
-
مثلما تعود جذور الساونا نفسها إلى فنلندا، فإن كلمة “ساونا“” ” (sauna) فنلندية الأصل أيضًا. وقد تبنّتها لغات عديدة للإشارة إلى حمّام البخار الفنلندي التقليدي.
-
وإلى جانب “أُلوساونا“، تضم مدينة أولو العديد من مرافق الساونا العامة الأخرى، ومنها مالاساونا وبلاك ساونا ولاينساونا.
النص والصور: إيميليا كانغاسلووما، أغسطس 2026