فوتورو الفنلندي: منزل على شكل طبق طائر حطّ في أنحاء العالم

تشتهر فنلندا بتصاميمها البسيطة الهادئة واستخدامها للمواد الطبيعية، لكن “فوتورو” يشكّل استثناءً لافتًا: منزل زاهي الألوان مصنوع من البلاستيك على شكل طبق طائر، أصبح واحدًا من أكثر الصادرات الفنلندية غرابةً وتميّزًا.

يبدو الأمر كما لو أن طبقًا طائرًا قد حطّ في قلب هلسنكي، وتحديدًا بين الممرات المنسّقة بعناية والنباتات المتسلقة في حديقة كايسانييمي النباتية.

يبلغ قطر هذا الهيكل ذي اللون الفاتح ثمانية أمتار. وينفتح منه درج إلى الأسفل يشبه سُلّم صعود الركاب إلى الطائرة. وفي الداخل، تفوح من المبنى البيضاوي حتى رائحة خفيفة للبلاستيك، وهو أمر لا يثير الدهشة، إذ يحيط بنا نحو 4,000 كيلوغرام من البلاستيك المقوّى.

تتخلل الهيكل المنحني لمنزل "فوتورو" نافذتان مستديرتان، تعكسان الأشجار والمنطقة المحيطة على سطحيهما المصنوعين من بلاستيك الأكريليك الملوّن.

صُنّع هذا النموذج الجديد من “فوتورو”، الذي كُشف عنه خلال “أسبوع هلسنكي للتصميم” عام 2026، باستخدام القوالب الأصلية التي حصل عليها المصمم الهولندي الأمريكي يان فان دايس. وهو أول منزل “فوتورو” يُصنع منذ عام 1978، ونسخة مطابقة تمامًا لتصميم سورونن الأصلي.

هذا نموذج جديد تمامًا من “فوتورو“، وهو الأول الذي يُصنع منذ عقود، وقد أُعيد إنتاجه باستخدام القوالب الأصلية. ولا يوجد في أنحاء العالم سوى أقل من 100 نموذج من هذه المنشآت الفنلندية غير المألوفة.

كوخ للتزلّج من المستقبل

منزل "فوتورو" ذو نوافذ بيضاوية داكنة معروض في متجر "ستوكمان" متعدد الأقسام في هلسنكي، وتحيط به أشجار صغيرة وزينة من الزهور وحشود من المتسوقين.

لمحة عن المستقبل عام 1969: منزل “فوتورو” معروض في متجر “ستوكمان” متعدد الأقسام في هلسنكي.Photo: ريتفا بيكمان / وكالة التراث الفنلندية

بدأت قصة “فوتورو” عندما طلب أحد أصدقاء المعماري الفنلندي ماتي سورونن منه تصميم كوخ للتزلّج يمكن وضعه في تضاريس وعرة يصعب الوصول إليها.

وكان هذا الطلب منطقيًا تمامًا في فنلندا، حيث يُعدّ التزلّج من الأنشطة الوطنية المحببة، وغالبًا ما تمتد مسارات التزلج إلى مناطق طبيعية نائية.

وكان لا بد أن يكون الكوخ سهل النقل، وسريع التركيب، وسريع التدفئة. فجاء حل سورونن مبتكرًا وجريئًا. إذ كان المنزل يُصنّع على شكل أجزاء في أحد المصانع، ثم تُنقل هذه الأجزاء إلى وجهتها وتُجمّع في الموقع. . وكان خفيفًا إلى درجة تسمح بنقله بطائرة هليكوبتر. وقامت الفكرة على إمكانية إنتاج المنازل بكميات كبيرة، على غرار السيارات تقريبًا.

ظهر أحواض الزهور والممرات المتعرجة في حديقة منسّقة من خلال إحدى النوافذ البيضاوية المميزة لمنزل "فوتورو".

كوخ للتزلّج، ومنزل صيفي، وطبق طائر في آنٍ واحد. استُخدمت منازل “فوتورو” لأغراض عديدة في مختلف أنحاء العالم، وغالبًا ما جُهّزت بكل وسائل الراحة المنزلية.

في أواخر ستينيات القرن العشرين، كانت هذه الأفكار ثورية.

وقد اتسمت تلك الحقبة بإيمان كبير بالتكنولوجيا والمستقبل. وألهب استكشاف الفضاء خيال الناس في مختلف أنحاء العالم، وكان كثيرون يؤمنون حقًا بأن ظهور السيارات الطائرة أصبح وشيكًا.

وفي الوقت نفسه، تأثرت العمارة الفنلندية بشدة بالمدرسة الوظيفية، وهي نهج يقوم على أن التصميم ينبغي، في المقام الأول، أن يقدم حلولًا للمشكلات العملية. وجمع “فوتورو” بين هاتين الرؤيتين: هندسة عملية داخل هيكل ذي طابع مستقبلي.

عندما وقع العالم في حب طبق طائر

يقف نموذج "فوتورو رقم 001" الأصفر على دعامات خلف "إيما"- متحف إسبو للفن الحديث – وتظهر نوافذه البيضاوية ودرج أحمر يؤدي إلى مدخله.

يستقر الآن نموذج “فوتورو رقم 001” الأصفر، الذي صُنّع عام 1968، خلف متحف إسبو للفن الحديث، بالقرب من هلسنكي.

كُشف النقاب عن أول منزل “فوتورو” في ربيع عام 1968.

وكان يُعرف باسم “فوتورو رقم 000″، وقد طُلي باللون الأزرق الفاتح ووُضع في منحدر تزلّج خاص في جنوب فنلندا. أما النموذج الثاني، وهو نموذج أصفر يحمل الرقم 001، فقد استُخدم كامتداد لكوخ صيفي في هيرفنسالمي ، بالقرب من مدينة ميكّيلي في شرق فنلندا.

وعلى الرغم من حجمه الصغير، كان “فوتورو” مجهزًا بالكامل. فقد ضمّ من الداخل ستة مقاعد قابلة للتحويل، ومساحتين مخصصتين للنوم لشخصين، ومدفأة، ومطبخًا، وحمامًا.

يتميز التصميم الداخلي الصغير لمنزل "فوتورو" بمنضدة مطبخ منحنية مزودة بحوض من الفولاذ المقاوم للصدأ، وجدران صفراء، وتفاصيل هيكلية حمراء، ونافذة مستديرة.

على الرغم من حجمه الصغير، كان “فوتورو” يضم جميع الأساسيات اللازمة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، بما في ذلك مطبخ صغير، ومساحة للنوم، ومدفأة، ومرحاض، وكلها مدمجة في تصميمه الداخلي ذي الطابع المستقبلي.

لكن نموذج “فوتورو” الثالث هو الذي استقطب الاهتمام الدولي.

ففي خريف عام 1968، عُرض نموذج أصفر من “فوتورو” في معرض للصادرات الفنلندية في لندن، على سطح سفينة راسية في نهر التمز. وقد أثار إعجاب الزوار وفضولهم. وخلال الأشهر التي تلت ذلك، تلقت شركة “بوليكيم” المصنِّعة أكثر من 400 استفسار بشأن تراخيص الإنتاج.

صادرات فنلندية لا مثيل لها

يتميز التصميم الداخلي المشرق لمنزل "فوتورو" بأرضية حمراء وألواح جدران بيضاء منحنية وثلاث نوافذ بيضاوية كبيرة تُطل على الأشجار والمباني في الخارج، فيما كُسيت كراسٍ بيضاء ذات تصميم نحتي بمنسوجات "ماريميكّو" المخططة باللون الأحمر.

يضم التصميم الداخلي لمنزل “فوتورو” منسوجات من علامة التصميم الفنلندية “ماريميكّو”، وذلك ضمن تجهيزه الخاص بأسبوع هلسنكي للتصميم لعام 2026.

اصطف الزوار في طوابير لمشاهدة نموذج فوتورو” الجديد خلال “أسبوع هلسنكي للتصميم“.

وفي الداخل، تضفي منسوجات “ماريميكّو” والإضاءة المختارة بعناية أجواءً مريحة على المساحة الصغيرة على نحو يبعث على الدهشة. فالمكان يبدو أقرب إلى ملاذ صغير ومريح منه إلى مركبة فضائية.

وبين عامي 1968 و1978، صُنّع 20 منزلًا من طراز “فوتورو” في فنلندا، خُصص 12 منها للتصدير. كما بيعت تراخيص إنتاجه إلى 25 دولة، وبدأ تصنيعه فعليًا في عشر منها.

مشهد جوي لحديقة كايسانييمي النباتية يُظهر بيوتها الزجاجية وحدائقها المنسّقة وسط أشجار كثيفة، إلى جانب مبنى تاريخي كبير ومنزل "فوتورو" الأبيض الشبيه بالطبق الطائر في المساحة العشبية المفتوحة.

في خريف عام 2026، أتيحت للزوار فرصة مشاهدة نموذج “فوتورو” الجديد في حديقة كايسانييمي النباتية. ولم يُعلن بعد عن وجهته النهائية.

كان “فوتورو” من الصادرات الفنلندية شديدة التفرّد. ففي وقت كانت فيه فنلندا معروفة أساسًا بالأخشاب والمنتجات الورقية والعمارة الوظيفية، قدّم “فوتورو” رؤية مختلفة جذريًا للتصميم الفنلندي.

وفي المجمل، لم يُنتج في مختلف أنحاء العالم سوى أقل من 100 منزل من طراز “فوتورو“.

وواصل سورونن تجاربه باستخدام البلاستيك المقوّى، وصمّم مجموعة كاملة من المنشآت ذات الطابع المستقبلي عُرفت باسم سلسلة “كازا فنلانديا“. وكان “فنتورو” أشهر هذه التصاميم بعد “فوتورو“.

منزل مستقبلي في مواجهة أزمة النفط

مقاعد مصبوبة باللون الأصفر الزاهي، مزودة بألواح بيضاء بيضاوية الشكل، مصطفّة أمام الجدران المنحنية ذات اللون الأحمر البرتقالي داخل منزل "فوتورو"، مع أرضية داكنة لامعة وصفّ من النوافذ البيضاوية.

على مرّ العقود، وجد “فوتورو” حياةً جديدة في الثقافة الشعبية، فظهر في مقاطع الفيديو الموسيقية والإعلانات والبرامج التلفزيونية والمتاحف في مختلف أنحاء العالم. ويتعرّف كثيرون على هذا المبنى ذي الشكل الشبيه بالطبق الطائر من دون أن يعرفوا أنه أحد كلاسيكيات التصميم الفنلندي.

على الرغم من الاهتمام الدولي الذي حظي به “فوتورو“، فإنه لم يحقق نجاحًا تجاريًا.

فقد كان، بالنسبة إلى كثيرين، غريبًا أكثر من اللازم وباهظ التكلفة.

ثم جاءت أزمة النفط عام 1973. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، أصبح إنتاج المنشآت البلاستيكية الكبيرة أقل جاذبية بكثير. فتلاشت أحلام “فوتورو” في الانتشار عالميًا.

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.

ولا يزال من المعروف وجود أقل من 70 منزلًا من طراز “فوتورو” حتى اليوم. ويمكن العثور عليها في أنحاء أوروبا، وكذلك في الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا واليابان. بل إن في تايوان قرية بأكملها مستوحاة من مفهوم “فوتورو“.

هُدمت بعض المنازل. فيما تُرك بعضها الآخر مهجورًا فتدهورت حالته.

درجات حمراء زاهية قابلة للطي تؤدي إلى منزل "فوتورو" أصفر، وتظهر أسفل الهيكل دعامات صفراء وقاعدة معدنية.

يمكن العثور على منازل “فوتورو” التي لا تزال موجودة في فنلندا في إسبو، وآلاند، وميريمسكو، وبويتيّا، وكاوهافا.

يُعدّ “فوتورو” اليوم أحد أشهر نماذج التصميم الفنلندي المستقبلي، كما أصبح قطعة معمارية نادرة مطلوبة لدى هواة الاقتناء. وقد ظهر في مقاطع الفيديو الموسيقية والإعلانات والبرامج التلفزيونية والمعارض المتحفية في مختلف أنحاء العالم. ويتعرّف كثير من الناس على هذا الهيكل ذي الشكل الشبيه بالطبق الطائر من دون أن يدركوا أن منشأه فنلندي.

ولا يزال هناك ما لا يقل عن خمسة منازل من طراز “فوتورو” في فنلندا. ويمكن مشاهدة أحدها في متحف إسبو للفن الحديث، إلى الغرب مباشرة من هلسنكي. بينما تعود النماذج الأخرى إلى ملكيات خاصة.

لذا، إذا صادفت يومًا ما في مكان ما من العالم جسمًا بيضاويًا يشبه طبقًا طائرًا، فأمعن النظر فيه: فقد تكون أمام قطعة من تاريخ التصميم الفنلندي.

بقلم إميليا كانغاسلووما أكتوبر 2026؛ الصور: إميليا كانغاسلووما، ما لم يُذكر خلاف ذلك

يستند هذا المقال جزئيًا إلى معلومات واردة في كتاب ماركو هوم وميكا تانيلا فوتورو: منزل الغد من الأمس (Desura, 2002)