الذكرى الـ150 لميلاد جالن-كاليلا

بصمة فنان في تاريخ فنلندا

بدءًا من اللوحات السياسية ووصولاً إلى الوشم الحديث: سنستكشف تأثير الفنان أكسيلي جالن-كاليلا على المجتمع الفنلنديّ.

اقرأ المقالة
4495-28485158-jpg

صورة: أول صورة/متحف الفن في توركو/وكالة ليتيكوفا

إذ تحتفل فنلندا بالذكرى الـ150 لميلاد الفنان أكسيلي جالن-كاليلا، دعونا نلقي نظرة فاحصة على فنان عظيم أثَّر على كل شيء في المجتمع الفنلندي، بدءًا من لوحاته السياسية التي سبقت الاستقلال وحتى الوشم الذي ظهر في العصر الحديث.

تتمثل إحدى أشهر القطع الفنية الفنلندية في “دفاع سامبو”, من إبداع الفنان أكسيلي جالن-كاليلا (26 أبريل 1865-7 مارس 1931). يُعد ذلك التصوير الحيّ لمشهد محوريّ من الملحمة القومية الفنلندية كاليفالا مبهرًا بدرجة أكبر عندما تنظر إليه عن قرب. وينظر بعض الناس لتلك الفكرة نظرة حرفية: يوجد لدى أحد الرجال الفنلنديين نسخة من الوشم المنقوش على ظهره، على نوع من القماش الذي لم يكن مستخدمًا على نطاق واسع في العصر الذي عاش فيه جالن-كاليلا. وتقول تويا والروز، مديرة متحف جالن-كاليلا: “يقدر الناس فن جالن-كاليلا تقديرًا بالغًا في يومنا هذا، حتى إنهم يودون أن ينقشوه على جلدهم. وبالطبع لديهم ما يقولون عن سبب تفضيلهم لفنه، وما يعنيه ذلك الفن بالنسبة إليهم”.

كاليفالا وما وراءها

Not as stern as he looked: Gallen-Kallela shows off his hipster moustache in this 1890 studio portrait

ليس صارمًا كما بدا: جالن-كاليلا يتباهى بشاربه الأنيق في لوحة الإستوديو الخاصة به عام 1890.صورة: الفنان دانيال نيبلين / متحف جالن-كاليلا

تم عرض تلك اللوحات والزخارف في 4 يوليو 2015، في المتحف الموجود بالمنزل الذي كان الفنان الراحل يعيش فيه، على مشارف مدينة هلسنكي. وفي الفعالية التي تهدف إلى تصوير موقف الفنلنديين من ذلك الفنان الرائع، ستجد صورًا لأناس يتباهون بوشم منقوش على جلدهم من وحي أعمال الفنان جالن-كاليلا، متبوعة بتعليقات. تقول والروز: “تبدو صوره رائعة عندما تنقش على هيئة وشم”. “فهي واضحة وقوية التأثير من نواحٍ عدة. ويوضح ذلك بمنتهى الروعة كيف تنتقل أعمال جالن-كاليلا الفنية عبر الأجيال. وعندما أخبرت أحد الزملاء الذين يعيشون في المملكة المتحدة بذلك الأمر، وجدت أنني قد أثرت غيرته منا لأننا نحظى بمثل هذا الاهتمام بالفن.” كانت ملحمة كاليفالا ملهمة لجالن-كاليلا. فقد أبدع سلسلة من اللوحات الرائعة أطلق عليها اسم “كاليفالا الكبرى”، كما انتهى قبل وفاته من لوحات لخمسة من المقاطع الخمسين التي تتكون منها الملحمة. كما تجسد اللوحات الجصية (الفرسكات) على سقف صالة الدخول بالمتحف الوطني في هلسنكي مثالاً آخر لولعه بالملحمة القومية وتأثره بها. وبالرغم من ذلك، تظل ملحمة كاليفالا واحدة فقط من العناصر الفنية التي اهتم بها ذلك الفنان، الذي خلف إرثًا له بصمة مضيئة في عالم الفن الفنلنديّ. حيث كان جالن-كاليلا أيضًا ماهرًا في مجالات فنية أخرى مثل الهندسة المعمارية وتصميم الجرافيك المتميز في فنلندا. كما أبدع أول مثال للتصميم الفنلنديّ الحديث في معرض باريس الدولي عام 1900، Liekki (شعلة،) وهي قطعة فنية من السجاد المغزول باستخدام تقنيةالرجي (البساط المزخرف) التقليدية.

أخلاقيات العمل والحياة الأسرية

In this 1902 photo, Akseli Gallen-Kallela (left) and assistants are painting the fresco “Spring” in the Jusélius Mausoleum in the west-coast town of Pori.

في هذه الصورة التي تعود إلى عام 1902، نرى أكسيلي جالن-كاليلا ومساعديه يرسمون اللوحة الجصية التي تحمل اسم “الربيع” في ضريح جوسليوس في مدينة بوري التي تقع على الساحل الغربي.صورة: متحف جالن-كاليلا

وتُظهر الصور الفنان جالن-كاليلا رجلاً محترمًا وجادًّا، يحيا حياة مرفهة. غير أن هذا ليس سوى سوء فهم، تصر والروز على توضيحه، حيث تقول: “لا تجسد صورة جالن-كاليلا الحقيقة. فقد اعتاد العمل الجاد، ولم يكن يحيا حياة مرفهة، كما لم يكن ثريًّا. بل كان أبًا عاديًا يواجه نفس المشكلات التي يواجهها غيره”. بالإضافة إلى ذلك، رسم التاريخ صورة لجالن-كاليلا، صوره فيها شخصًا اجتماعيًّا. وقد صارت صداقته مع أمثال الملحن جان سيبيليوس (الذي ولد عام 1965 أيضًا) جزءًا من التراث الشعبيّ. وبينما كان الفنان جالن-كاليلا يستمتع بتلك الصداقات، أثمرت لقاءاته بأصدقائه من الفنانين عن إبداعات فنية مذهلة. كما تقول والروز: “كان جالن-كاليلا يتحلى بأخلاق راقية. فإذا نظرت إلى حياته التي كانت مفعمة بالعمل، وإلى آلاف اللوحات والأعمال الفنية الأخرى التي خلفها، ستستنتج أنه لم يكن ممكنًا أن يبدع كل تلك الأعمال إذا كان من الأشخاص الذين يقضون أوقاتًا طويلة في الحانات أو المطاعم. فقد كان يستمتع بالحياة العائلية بدرجة كبيرة”.

روحه الحرة

The artist built a studio and house, complete with a castle-like tower, by the sea at Tarvaspää, just outside Helsinki. It is now the Gallen-Kallela Museum.

أنشأ الفنان جالن-كاليلا إستوديو في منزل، فيه برج يشبه القلعة، على شاطئ البحر في تارفاسب، على مشارف هلسنكي. وقد صار هذا المنزل حاليًّا متحف جالن-كاليلا.صورة: هلين كوزيلا/وكالة ليتيكوفا

وهناك العديد من أعماله الفنية ومتعلقاته الشخصية في متحف جالن-كاليلا كشهادة على اهتماماته المتعددة. هذا، وتصور اللوحة التي رسمها عام 1906 السفينة الملكية لدولة فنلندا المستقلة، المستعارة من مؤسسة الحقوق، القضية الثقافية الملحة الأولى آنذاك: ألا وهي استقلال فنلندا. ومثله مثل كثيرين من معاصريه، عبر جالن-كاليلا في أعماله الفنية عن السخط الشديد على الحكم الروسيّ. كما ازداد تأثيره الاجتماعيّ ازديادًا بالغًا بعد تحقيق الاستقلال في عام 1917، حتى أطلق عليه لقب “معاون الجنرال كارل جوستاف مانرهايم” في عام 1919. ففي خلال عام واحد، ابتكر عددًا كبيرًا من رموز الاستقلال بما في ذلك التصميم المقترح للعلم الفنلندي (الذي رُفِض فيما بعد). ولعل أبرز أعماله هو تصميم الميداليات التي يتكون منها وسام الوردة البيضاء لجمهورية فنلندا، والذي لا يزال يستخدم حتى الآن عند تكريم الكفاءات العسكرية والمدنية. هذا، ولا تزال روح الفنان جالن-كاليلا حية داخل فنلندا وخارجها. وتقول والروز: “كان جالن-كاليلا يتمتع بعلاقات مع أشخاص من جميع أنحاء العالم. ولدينا في الأرشيف الخطابات التي وصلته من أكثر من 2000 شخص من جميع أنحاء العالم”.

بقلم جيمس أوسوليفان، أبريل 2015.

الروابط