السعادة في فنلندا

تسع سنوات متتالية: فنلندا تتصدر تقرير السعادة العالمي

يضع تقرير السعادة العالمي فنلندا في صدارة أسعد دول العالم لعام 2026، وذلك للعام التاسع على التوالي. واحتفالاً بذلك، نلتقي أشخاصاً يحملون اسم “Onni” (أي: السعادة) لنسألهم عمّا يجعلهم سعداء (شاهد الفيديو).

منذ عام 2018، لم تغادر فنلندا قمة قائمة أسعد دول العالم في تقرير السعادة العالمي. وكما جاء في نسخة عام 2026: “لا تزال فنلندا تتربع وحدها على القمة”.

وتنشر شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة هذا التقرير سنوياً بالتزامن مع اليوم الدولي للسعادة الذي يُحتفل به في 20 مارس من كل عام.

لكن كيف يمكن تفسير السعادة الفنلندية؟ وما السر وراء استمرار تصدّر فنلندا لهذا التصنيف عاماً بعد عام؟

تكمن الإجابة المختصرة في أن فنلندا نجحت في بناء ما يمكن وصفه باسم “بنية تحتية للسعادة” (انظر الصندوق أدناه)، حيث طوّرت وحافظت على ثقافة ومؤسسات اجتماعية تشكّل الأساس الذي يمكّن الأفراد والمجتمعات من بناء سعادتهم. وتشمل هذه المنظومة عناصر مثل الثقة، والحكم الرشيد، والتعليم، والارتباط بالطبيعة، والتوازن بين العمل والحياة، والمساواة، إلى جانب مكونات أخرى عديدة.

أما التصنيف الرئيسي في تقرير السعادة العالمي، والمعنون “ترتيب الدول وفق تقييمات الحياة”، فيستند إلى إجابات أحد الأسئلة ضمن أكثر من 100 سؤال في استطلاع Gallup World. والسؤال هو: على مقياس من صفر إلى عشرة، أين تضع تقييمك لحياتك (حيث يمثل الصفر أسوأ حياة ممكنة، ويمثل العشرة أفضل حياة ممكنة)؟

تركّز “تقييمات الحياة” هذه على مدى رضا الناس عن حياتهم بشكل عام. ويعتمد التقرير على متوسط نتائج السنوات الثلاث الأخيرة لتحديد قائمة أسعد الدول. وفي نسخة عام 2026، بلغ معدل فنلندا 7.764 من عشرة.

أشخاص يحملون اسم السعادة

شاهدوا كيف يتحدث عدد من الأشخاص الذين يحملون اسم Onni (السعادة) عن معنى السعادة.الفيديو: Aarni Holappa/ThisisFINLAND

من اللافت أن كلمة onni، التي تعني “السعادة” باللغة الفنلندية، هي أيضاً اسم شخصي يحمله أكثر من 10,000 شخص في فنلندا. وقد بدأ استخدامه كاسم منذ أوائل القرن التاسع عشر.

انطلقنا للقاء أشخاص يحملون اسم Onni لنسألهم كيف يرون السعادة في فنلندا. وطرحنا عليهم عدة أسئلة، من بينها:

  • ما الذي يجعلك سعيداً؟
  • لماذا تُعد فنلندا أسعد دولة في العالم؟
  • ماذا تعني السعادة بالنسبة لك؟

وجاءت إجاباتهم بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها. أحدهم قال إن سعادته تكمن في “إسعاد الآخرين”. وآخر يجد سعادته في قضاء الوقت مع أصدقائه، سواء في السباحة أو ممارسة الرياضة.

أما ثالثهم فأشار إلى أن الثقة عامل أساسي في الشعور بالسعادة، قائلاً: “في هذا البلد، يمكننا أن نثق ببعضنا البعض”. بينما ركّز آخر على “جودة الرعاية الصحية، والتعليم الجيد، والوجبات المدرسية المجانية”.

وقال أحدهم إن التعامل مع الناس بلطف واحترام “له تأثير كبير في شعورك بالسعادة من عدمه”.

كيف نصنع السعادة

رجل وطفل يتوازنان معاً على حبال في ساحة لعب، في يوم مشمس، مع ألوان الخريف في الخلفية.

الدعم الاجتماعي (وجود من يمكن الاعتماد عليه) هو أحد العوامل الأساسية التي تسهم في الشعور بالسعادة.الصورة: Aleksi Poutanen/Finland Image Bank

لا يقتصر تقرير السعادة العالمي على ترتيب الدول فحسب، بل يضم سنوياً دراسات ومقالات تتناول جوانب مختلفة من السعادة. وفي نسخة عام 2026، يتركّز الاهتمام على العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والسعادة، خاصة لدى الشباب.

تعكس عناوين المقالات هذا التوجّه بوضوح، مثل: “أدلة دولية حول السعادة ووسائل التواصل الاجتماعي”، “والاستخدام المفرط لوسائل التواصل وتأثيره على رفاه المراهقين”.

وتشير النتائج إلى أن الشباب الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي أقل من ساعة يومياً يتمتعون بأعلى مستويات الرفاه. ومع ذلك، يقضي المراهقون في المتوسط نحو ساعتين ونصف يومياً على هذه المنصات. كما تبيّن أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لا يكون واحداً للجميع، بل يختلف تبعاً لنوع المنصة، ومدة الاستخدام، والعوامل الديموغرافية المختلفة.

شخصان بالغان وطفل صغير، جميعهم يرتدون سترات نجاة، يعبرون بحيرة هادئة تحيط بها الغابات، على متن قارب تجديف.

بالنسبة لسكان فنلندا، تُعد الطبيعة جزءاً أساسياً من جوهر السعادة – فهي مصدر للرفاه والهدوء والسكينة.
الصورة: Carl Bergman/Finland Image Bank

أما فيما يتعلق بجدول الترتيب نفسه، فيسعى مؤلفو تقرير السعادة العالمي إلى تفسير تقييمات الحياة في الدول المختلفة من خلال مقارنة ستة عوامل رئيسية: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر الصحي، والدعم الاجتماعي (أي وجود شخص يمكن الاعتماد عليه)، وحرية اتخاذ القرارات الحياتية، والكرم، ومستوى إدراك الفساد.

وتُظهر الأبحاث أن الرضا عن الحياة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود مجتمع فعّال يوفّر الرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، وفرص الوصول إلى سوق العمل. وبإمكان الدول أن تعزّز السعادة؛ ومن خلال ما يمكن وصفه باسم “بنية السعادة”، تساهم فنلندا في خلق الظروف التي تجعل السعادة ممكنة.

فنلندا وبنيتها التحتية للسعادة

  • تلعب الثقة دورًا حيويًا، وفي فنلندا، تتجاوز الثقة حدود العلاقات الشخصية لتشمل المؤسسات العامة ونظم الحوكمة وحتى الغرباء.
  • هناك نظم حوكمة رشيدة كما يتسم النظام السياسي بالشفافية والمساءلة والالتزام بسيادة القانون.
  • وجود إطار عمل مجتمعي يجمع بين الاستقرار وشبكات الأمان، يُمكن الأفراد من اتخاذ قراراتهم الحياتية دون خوف من الفشل.
  • إن الشعور القوي بالمسؤولية المشتركة يساهم في بناء مجتمع يتسم بالعدل والمساواة وهو أمر أساسي لتحقيق السعادة. فهناك أكثر من 90% يعتبرون أن دفع الضرائب واجب مدني مهم.
  •  المشاركة والحوار: المشاركة الفعالة والحوار المفتوح بين الشعب والسلطات يعززان الإدماج والتمكين. تعزز حرية التعبير الشفافية وترسخ الديمقراطية.
  • المساواة والعدالة الاجتماعية: إن التزام فنلندا بالمساواة، بما في ذلك المساواة بين الجنسين والحماية الكبيرة للأقليات، يعزز بيئة اجتماعية تتسم بالشمول الاجتماعي وتساهم في تحقيق السعادة بشكل عام.
  • التعليم والمعلومات: يضمن النظام التعليمي الفنلندي ذو المستوى العالمي المساواة في الحصول على تعليم عالي الجودة، مما يمكّن الأفراد من النجاح. كما تتيح حرية الصحافة القوية ومحو الأمية الإعلامية للمواطنين الاطلاع على المعلومات بصورة نقدية، مما يخلق مجتمعًا مستنيرًا ومتفاعلًا.
  •  التواصل مع الطبيعة يمثل جزءًا مهمًا من الحياة اليومية والرفاهية. إن استمتاع الفنلنديين بالطبيعة واختلاطهم بها يعزز الشعور بالهدوء والرضا ويقلل من التوتر.
  •  البساطة والساونا: إن الثقافة الفنلندية راسخة في تقدير البساطة والعملية وأهمية اللحظات القصيرة في الحياة. وفي صميم ذلك توجد الساونا، وهي مكان يسترخي فيه الفنلنديون وينفصلون عن الضغوط اليومية ويعيدون التواصل مع أنفسهم ومع الآخرين بأسلوبٍ هادف.
  •  يقوم المجتمع الفنلندي على دعم الحياة المتوازنة، مع منح الأولوية للرفاهية الشخصية إلى جانب الالتزامات المهنية. كما تتيح سياسات العمل والبنى الاجتماعية أسلوب حياة يتسم بالإنتاجية والإنجاز الشخصي.

بقلم فريق ThisisFINLAND، مارس 2026